السيد محمد حسين فضل الله

8

من وحي القرآن

وعلى الروح لتعكر بعض صفائها ، وعلى القلب لتشوه بعض أحاسيسه ، وعلى الحياة لتدفع بها إلى متاهات الضلال . وهكذا بدأ الحديث عن البذل كعنوان إيمانيّ يوحي بالتضحية المالية في سبيل اللَّه ، من أجل المشاركة في تحقيق عناصر القوة للمجتمع المسلم الذي كان يواجه التحديات التي تريد إبقاءه في مواقع ضعفه ، وأن تفرض عليه مواقع ضعف جديدة من خلال الحروب التي أثارها المجتمع الكافر في ساحته ، لتشغله عن حركة الدعوة في العمق والامتداد ولتسقطه في ساحة الصراع ، الأمر الذي يفرض على المسلمين التعاون من أجل تأصيل القوة بكل مستلزماتها ، وتوجيهها نحو الفتح على أكثر من صعيد . وانطلق الحديث في أجوائها عن قيم الدنيا ، التي تستغرق في مظاهرها السطحية الزائلة ، وقيم الآخرة التي تحتضن الدنيا في دائرة الآخرة ، لتتكامل السنّة الإلهية التي أراد اللَّه للإنسان أن يؤكدها في وجوده ، لتتداخل الآخرة في الدنيا ، كما تطل الدنيا من خلال الأهداف الكبيرة على الآخرة الدائمة التي توحي له بالخلود الكبير . ويدور الحديث فيها عن المؤمنين في درجاتهم المتفاوتة ، وعن الجو الذي يتحركون فيه في الآخرة في أجواء رحمة اللَّه ، وعن المنافقين كيف عاشوا في الدنيا ، وكيف واجهوا مواقع الذل في الآخرة ، بحيث كانوا يستجدون المؤمنين ليمنحوهم شيئا من النور ليطردوا بعضا من الظلام الروحي الذي يسيطر على كل واقعهم هناك . ثم تطوف السورة بعض الشيء في أجواء اليهود والنصارى في بعض اللمسات الإيجابية ، في النقاط السلبية والإيجابية في سلوكهم العام وفي روحيتهم الذاتية ، وتوجّه التفكير والإحساس بعد ذلك إلى القدر المحتوم الذي يتحرك بقدرة اللَّه في تنظيم الواقع الكوني والإنساني من خلال القوانين المودعة